![]()
|
روما وفاسولا فِي 30/3/2003 رسالة من فاسولا إلى القرّاء
إِلَى قُرَّاءِ "الحياةِ الْحَقيقيَّةِ فِي اللهِ" الأَعزَّاءِ،
منذُ العامِ 2000، حَصَلَ لِي شَرفُ الإتِّصالِ بنِيافَةِ الكاردينال جوزف
راتزنْجر، مُدبِّرِ مَجمعِ عقيدةِ الإيِمانِ. فِي 6 تَمُّوز 2000, عرَضْتُ عليهِ
طَلَبِي الْمتواضعَ عن كِتاباتِي، بُغْيةَ إِخْضاعها لِمَزيجٍ مِنَ الدَّرْسِ من
قِبلِ الْمَجمعِ نفسِه، وكَيْ أُمْنَحَ الفُرْصة للإجابةِ على التَّحَفُّظاتِ
الواردةِ فِي بلاغِ 4 تشرين الأَول 1995
أُصلِّي ليكونَ نشرُ هذه الوَثيقةِ فِي خدمةِ حوارِ الْحَقِّ والْحُبِّ، وهذا
الأمرُ مُهمٌّ ليس فقط للعَملِ الْمسكونِيِّ بل أَيضًا لِجَعلِ نِعَمِ اللهِ
مثْمرةً فِي الكنيسةِ.
لِيُبَارِكْكُم اللهُ.
فاسولا
رسالَة 4 نيسان 2002
مِن
مَجمع عقيدة الإيْمـان Collegio Sta Monica Via Paolo VI, 25, 001930 Rome
عزيزتِي السَّيدة رايدن،
فِي 6 تَمُّوز 2000,
تَوجَّهْتِ
برسالةٍ إلِى نيافةِ الكاردينال راتْزنْجر بشأنِ البلاغ
"Notificazione"
الصّادرِ
عَن مَجمعِ عقيدة الإيِمانِ الْخاصِّ بِكِتاباتِكِ.
إهْتمَّ نيافتُه برسالتِكِ، وبالاتِّفاقِ مع مُعَاونيه، قرَّرَ أَنْ يَمْنَحَكِ
الفُرصةَ لتُوضِحِي مَعَانِي بعض الْمَقُولاتِ الواردةِ فِي مَنْشوراتِك. لذلك،
انْتُدِبْتُ للإتِّصالِ بكِ شَخْصيًّا، مُحَادثةً وكِتابةً، حتّى يكوِّنَ
الْمَجْمعُ فِكرةً أَوضحَ عن التَّفسيرِ الصَّحيحِ لِهذه الْمَقولات. وبِكونِكِ
لَسْتِ كاثوليكيَّةً، أَودُّ ، فِي مُستهلِّ
حديثِي، أَن أُوضِحَ لكِ، بأنّك لا تَخْضعين لسُلطةِ الْمَجْمعِ القضائيّةِ وبأنَّ
قضيَّتكِ لا تقع فِي خانةِ النَّقدِ الشَّخْصي. لَكنْ، بِما أَنَّ كثيرًا من
الكاثوليكِ يُوَاكبون "الْحياة الْحقيقيَّةَ فِي الله"، فَلَهُم الْحقُّ أَنْ
يَعرِفوا
ما يِجِبُ أَنْ
يكونَ مَوقِفُهُم من أمورِ العقيدةِ والْمُمارَسةِ الَّتِي تُوحِي بِها كتاباتُكِ.
نَحْنُ أَيضًا مُضطَلِعونَ على أعْمالِكِ، أَعمال الْمحبَّةِ، وعلى جهودِك فِي
سبيلِ إِرْشادِ كلِّ الْمسيحيّينَ صوبَ الوحدةِ مع أَسْقفِ روما، وعلى تعبُّدكِ
العظيمِ للعَذْراءِ مَريَمَ الْمُباركة،
وإِبرازِكِ
الله كإلَه
الْحُبِّ
حتّى لِغيرِ
المسيحيِّينَ،
ومُعَارضتِكِ
لِلعقلانيّةِ
والفَسادِ
بين الْمسيحيِّينَ.
يَبْدو أَيضًا أَنَّك، فِي كُتُبِك الأَخيرةِ، قد تَجَنَّبتِ بعض التعابيرِ
الغامضةِ الواردةِ فِي كُتُبِك الأُولَى. ومع ذلك أَكونُ لكِ شَاكِرًا، إذا
اسْتَطعْتِ أَنْ
تُجاوبِي، بأَوضحِ ما يُمْكنُ، على بعضِ الأسئلةِ، فتساعدي الْمَجْمعَ على تكوينِ
فكرةٍ أَوضَحَ عن أَفْعالِكِ.
1- أَنتِ تعلَمينَ
جيِّدًا أنَّه لِكلٍّ مِنَ الكاثوليكِ والأُرثوذكس وحيٌ واحدٌ فقط هو وَحيُ اللهِ
بِيَسوع الْمَسيحِ، الواردُ فِي الكُتبِ الْمقدَّسَةِ والتَّقليد. فِي الكنيسةِ
الكاثوليكيَّة، حتّى ولَو قُبِلَ الوَحْيُ "الخاصُّ" كما فِي لورد وَفَاطيمة، ولَو
أنَّه أُخِذَ بِجَدِّيَّةٍ، فإنَّه لَيسَ مِن أُمورِ الإيْمان. فبِأَيِّ مَعنَى
إذًا، تُصَنِّفينَ كتاباتِكِ كَوَحيٍ وكَيفَ يَنْبَغي أَنْ يَتَقبَّلَها
مُسْتَمِعوكِ وقُرَّاؤُكِ؟
2- أَنتِ تَنْتَمينَ
إلَى الكَنِيسَةِ الأُرثوذكسيَّةِ وتَحثِّينَ دائمًا كهنةَ هذا الإيْمانِ وأَساقفتَهُ
على الإعْترافِ بالْبابا وعلى إقامةِ السّلامِ مع الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ. لذلك،
ولِسوءِ الْحَظِّ، أنتِ غيرُ مُرَحَّبٍ بِكِ فِي بَعضِ البلدان الَّتِي تُشاطِرُكِ
نَفْسَ طائفتكِ الدينِيَّة. لِماذا تَتَبنَّينَ هذه المهمَّة؟ ما هو رأيُكِ بأسْقفِ
روما وكيفَ تتوقَّعينَ مُستقبَلَ الوَحْدةِ الْمسيحيَّةِ؟ مع ذلك، يشعر أَحدُنا،
بعضَ الأحيان، وهو يقرأُ أَعْمالَكِ، بأنّك تَقِفينَ فوق الكَنيسَتَين دونَ
الإلتزامِ بأيٍّ مِنهُما. مثلاً على ذلك، يَبْدو أنَّكِ تتقدَّمينَ إلَى
الْمُناولةِ فِي كِلا الكَنيسَتَين: الكاثوليكيَّة والأرثوذكسيَّةِ، لَكِنْ
بالنِّسبةِ لِوَضْعِكِ الزَّوجِيِّ، فإنّكِ تَتبَعينَ عُرْفَ التَّدبيرِ
3- فِي كتاباتِك
الأُولَى، كَما تبيَّنَ فِي البلاغ
"Notification"
كان هناكَ بعضُ الغُموض فِي الْمُصْطَلَحاتِ الْمُتعلِّقةِ بأَشخاصِ الثالوثِ
القدّوس. نَحْنُ متأكِّدون بأنّك تُؤَيِّدين تعاليم كنيستك. هل تَظُنِّين أَنّكِ
تَستطيعينَ أنْ تُساعدينا فِي توضيحِ هذه التَّعابيْر؟ عند التَّعاملِ بأمورٍ
إيْمانيَّةٍ، أَليسَ من الأنْسَبِ اتِّباعُ الْمُصْطَلحاتِ
الرَّسْميَّةِ
للتَّعليم
الْمسيحيِّ
لِتَجنُّبِ
التشوُّشِ
فِي
عقولِ
قرَّاءِ
"الحياة
الحقيقيَّة فِي الله"؟
4- هناك أَيضًا بعضُ
الصُّعوباتِ فيما يَخْتصُّ بالبرُوتولوجيَّة والأسكَتُولوجِيَّة. بأيِّ معنًى
تَحصلُ النَّفسُ على "رؤية الله" قبل دخولِها فِي الْجَسَدِ؟ وكيفَ تَرينَ مكانَةَ
العَنصَرةِ الْجَديدةِ فِي تاريخِ الْخَلاصِ في علاقةٍ بالْمجيءِ الثانِي للْمَسيحِ
وقِيامَةِ الْموتَى؟
5- ما هي الْهويَّةُ
الْحقيقيَّةُ لِحَرَكَةِ "الْحَياة الْحقيقيَّة فِي الله" وماذا تَطلبُ مِن
أَتْباعِها؟ وما هي بِنْيَتُها؟
عزيزتِي السَّيدَة ريدن، نَحْنُ نأسَفُ لإزعاجِكِ بِهذه الأَسئلةِ، ولكِنْ
نُطَمْئِنُكِ بأَنَّنا نُقدِّرُ أَعْمالَكِ الصّالِحَةَ ومقاصِدَكِ. ومع ذلك، فِي
جَوابِنا على رِسالتِكِ للكاردينال راتزنْجر، شَعَرْنا أَنَّه كانَ مِن واجبِنا
تَوضيحُ بعضِ الالتباساتِ فِي كِتاباتِكِ الَّتِي قَدْ تَكونُ خَفَتْ عَلَيكِ.
نَحْنُ مَدينونَ بذلك إلَى قُرَّائِكِ الكاثوليك الَّذينَ رُبَّما عَاشوا صِراعَ
ضميرٍ باتِّباعِهم كتاباتِك. أَرجو أنْ تَأْخذي وَقْتَكِ للإجابةِ؛ إِنّه مِنَ
الأفضل أَنْ نَلْتقيَ معًا وأنْ يكونَ لنا بَعضُ
الأحاديثِ غير الرّسْميّةِ قبلَ أَن تَكْتبِي أيَّ شيء. صَلِّي حتّى يُنيرَكُ
الرّوحُ القدُسُ واسْتَشيري أَيَّ مُرشدٍ روحيٍّ أو لاهوتِيٍّ تَثِقِينَ بِه.
نَحْنُ متأكِّدونَ بأَنَّ تَساؤلاتِنا ستُساعدُكِ أيضًا لتُدْركِي الْمضامينَ
الأَعمقَ لكتاباتِكِ حتّى تَجْعليها أكثرَ قَبُولاً لدى كلٍّ من الكاثوليكِ
والأُرثوذكسِ. أَنا شخصيًّا سأكونُ فِي تَصرُّفِكِ لتوضيحِ مَعانيها.
نيافتُه يُبَلِّغلكِ تَحِيّاتِه ولَه مِلءُ الثِّقةِ بأَنّكِ سَتُزَوِّدينَه
بِجَوابٍ مُرْضٍ لِتُسَهِّلي مُهِمَّتَه فِي الاستِجابةِ لِمطاليبِ رسالتِكِ.
الْمخلصُ لكِ
في الْمسيح
الأب بروسبيرو غريتش OSA
مستشارُ الْمجمعِ
جواب فاسولا إلى مجمع عقيدة الأيمان
روما 26/6/20
حضرةُ الأب بروسبيرو غريتْش الْجزيل الإحترام Collegio Sta monica, Via Poalo UI , 251 – 00193 Rom
مرجع: جوابُ فاسولا ريدن على رسالةِ الأب بروسبيرو غريتش الْمكتوبةِ بالنيابةِ عن نِيافتِه، الكاردينال جوزف راتْزنْجر، من مَجمعِ عقيدةِ الإيْمانِ والْمؤرخةِ فِي 4 نيسان 2002.
عزيزي الأب بروسبيرو غريتشْ، أوَّلاً، أَودُّ أَنْ أشْكُرَكَ لِمَنحِيَ الفُرصةَ للإجابةِ على الأسئِلةِ الَّتِي طَرَحْتَها ببالغِ الإحترام حولَ كتاباتِي ونَشاطِي فِي رِسالتِكَ الْمؤرَّخةِ فِي 4 نيسان 2002 والَّتِي تُكرِّرُ نِقاطَ النَّقدِ الوارِدةَ فِي بلاغ ”Notifiction "1995. إِنَّنِي مُدرِكةٌ لِلْمُهمَّة والْمَسؤوليَّةِ الْمُلْقاةِ على مَجْمعِكم الْمُقدَّس فِي " اختبارِ الأَرواح" (ا يو 4/1). لقدْ أَدْرَكتُ إلَى حدٍّ ما، خلالَ هذه السِّنينَ، تَعقُّدَ هذه الْمُهمَّةِ، مُهمَّةِ التَّمييزِ، وكم هي دقيقةٌ، لأنَّنِي أَنا بِنَفْسِي قَدِ الْتَقَيتُ، منذُ بدايةِ مَسيرتِي، بأَشْخاصٍ كثيرينَ تَقرَّبوا منِِّي، مُدَّعينَ بأَنَّهم تَمتَّعوا هُم أيضًا باختباراتٍ إِلَهيَّةٍ يُريدونَ أنْ يمزجوها معَ اخْتِباري. مِن بابِ الْتَعَقُّلِ والْمَسؤوليَّة، جَعَلتُه مبدأً لِي عَدم الإهتِمامِ بِأَيٍّ مِنْهم. لِذلِكَ أُقَدِّرُ أَهَمِّيَةَ عَملِكم لِحمايةِ الْمُؤمِنِينَ مِنْ أَيِّ أَذَى وحِفْظِ الإيْمانِ نَقيًّا وبَعيدًا عنِ الاخْتباراتِ الزَّائفةِ ولِتُصانَ أَيضًا الْمَواهِبُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تَستَطِيعُ أَنْ تفيدَ الكنيسة. أنا أَيضًا مُمْتنَّةٌ لكَ، إِذْ إِنّك تَمْنَحُنِي الفُرصَةَ لأوضِحَ وأُفسِّرَ بَعْضَ التَّعابيرِ الَّتِي قَدْ تَبْدو غَيرَ واضِحَةٍ إذْ أنَّها مكتوبةٌ بِأُسلُوبٍ تَصَوُّرِيٍّ وشاعِرِيٍّ وَرَمزيّ. كَما أنَّنِي مُدْركةٌ أيضًا بأَنَّ تكلُّمِي إِلَى الْمسيحيِّينَ الكاثولِيك رغْم كَونِي أُرثوذكسيَّةً يونانيَّةً هو شيءٌ نادرٌ؛ لَكِنْ بَدلاً من اعتبارِ هذا الأَمرِ نوعًا مِنَ الفَوْضى، فإنَّنِي أَرغَبُ بتواضعٍ فِي أنْ يكونَ ذلك مُساهَمتِي البسيطة فِي الشِّفاء من الْخِلافاتِ بين الإخوةِ الْمسيحيِّينَ. وهكذا، سأُجيبُ بأفضَلِ ما يُمْكنُنِي، على الأَسئلةِ الَّتِي تَفَضَّلْتُم وعَرَضتُموها عليَّ بِنَزاهةٍ كاملةٍ وَوضوحٍ، وأنا على ثقةٍ أَيضًا بِسَخائِكم وإِرادتِكُم الطيّبةِ وتَفَهُّمِكم لِمَحدوديَّتِي فِي التَّعبيرِ عن كاملِ الصّورةِ الواردةِ فِي 12 مجلَّدًا من الكتبِ الْمُعَنْوَنَةِ " الْحياةُ الْحقيقيَّةُ فِي الله". أَلسؤال 1: أَلْعِلاقَةُ بينَ "الْحياةِ الْحقيقيَّةِ فِي الله" والوَحْي أَنتِ تعلَمينَ جيِّدًا أنَّه لِكلٍّ مِنَ الكاثوليكِ والأُرثوذكس وحيٌ واحدٌ فقط هو وَحيُ اللهِ بِيَسوع الْمَسيحِ، الواردُ فِي الكُتبِ الْمقدَّسَةِ والتَّقليد. فِي الكنيسةِ الكاثوليكيَّة، حتّى ولَو قُبِلَ الوَحْيُ "الخاصُّ" كما فِي لورد وَفَاطيمة، ولَو أنَّه أُخِذَ بِجَدِّيَّةٍ، فإنَّه لَيسَ مِن أُمورِ الإيْمان. فبِأَيِّ مَعنَى إذًا، تُصَنِّفينَ كتاباتِكِ كَوَحيٍ وكَيفَ يَنْبَغي أَنْ يَتَقبَّلَها مُسْتَمِعوكِ وقُرَّاؤُكِ؟
لَمْ أَحْظَ قطْ بِإيِّ دروسٍ في التَّعلِيم الْمَسِيحِيّ، ولا في عِلمِ اللاهوت، كما لَمْ أَكُنْ أَعْرِف أيَّةً من الفُروقِ اللاهُوتيَّةٍ كالَّتِي ذُكِرَتْ أَعْلاهُ، في بِدايةِ نِدائي واهتِدائي. تَعَلَّمْتُ هذه الفروقاتِ تَدْريِجيًّا، أَثناء تَوجيه الرّوح القُدُسِ العذب. فِي بدايةِ هذه الدَّعوةِ، كنت مُضطربةً جدًّا، وأوائل ظاهرة مَلاكِي، قلتُ هذا: "لَكِنّي لا أَفْهم. فَنَحْنُ لَدينا الكتابُ الْمقدَّسُ، لِماذا نَحتاجُ إذًا إلَى رسائلَ؟" أَجابَنِي ملاكِي: "إنّكِ تَشْعرينَ إذًا بأنَّ كلَّ شيءٍ قَدْ أُعطيَ فِي الكتابِ الْمقدَّس؟" أَجَبْتُ: "نعَم. لِذلك لا أَرى داعِيًا لكلِّ هذا، أَعْنِي ليس هناك شيء جديد." فَتابعَ الْمَلاكُ قائِلاً: "يُريدُ الله أَنْ تُعْطى هذه الرَّسائلُ." قُلتُ: "هل مِن سَبَبٍ مُعيَّن لأكونَ أنا؟" أجابَ الْملاكُ: "كلاَّ. ألله يُحبُّكُم جَميعًا. هذه الرَّسائِلُ هي فَقَط مُذكِّرٌ، لِتُذَكِّرَكم كيفَ بَدأَتْ أَساساتُكُم." (7/8/1986)
قالَ لِي قسٌّ بروتستانِتِيٌّ يومًا بأنَّه ما من سببٍ يَدعو الله لِيُكلِّمَنا الآن، ما دام لَدينا الكتابُ الْمقدَّسُ. فقُلْتُ لِلمسيح، مُضْطربةً: "ياربِّ، هناك من القساوسةِ مَن يَرْفضونَ أَن يَسْمعوا أو يُؤْمنوا أنَّك تستطيعُ أنْ تُظْهرَ نفسَكَ هكذا مِنْ خِلالِي؛ يقولون إِنَّكَ أَنتَ، يسوعَ، قد جِئْتَنا بِكامِلِ الْحَقيقَةِ ولا يَحْتاجونَ لغيرِ الكتابِ الْمقدَّسِ. بكلماتٍ أُخْرى، كلُّ هذه الأَعْمالِ هِي غير صحيحة." فكانَ جَوابُ الْمَسيح التَّالِي: سبقَ وقُلْتُ لَكم جَميعًا إِنَّ المُحامي، الرُّوح القُدس، الَّذي سيُرْسِلُهُ الآبُ باسْمِي، سيُعَلِّمُكم كلَّ شيء ويذكِّرُكم بكلِّ ما قلتُه لكم (يو 14/26). لسْتُ أعطيكم أيَّ تعليمٍ جديدٍ، بَل أُذَكِّركم بالحقِّ وأُعيدُ إلى الْحَقيقَةِ التّامة جميعَ الَّذينَ حادوا عنها. أنا الرَّبَّ، سأحْفَظُكم دومًا مُتَيَّقِِظين بتذكيراتٍ، وروحي القدّوس، المُحامي، يكون دائمًا بينكم كمُذَكِّرٍ بِكَلِمتِي، لِذا لا تتعَجَّبوا عندما يُخاطِبُكم روحي القدّوس. هذه التذكيرات هي مِنْ نعمتي لِتَهدِيَكم وتُذَكِّرَكم بِطُرُقي (20/12/1988).
فِي مقطعٍ آخرَ بعد إحدى عشْرة سنةً، طلبَ منّي ربُّنا أنْ أكتبَ ما يلِي:
كلُّ هذه الرَّسائلِ تأتِي مِنَ عَلُ ومُلهمةٌ بِواسِطتِي. يُمْكنُ أَنْ تُسْتعمَلَ بطريقةٍ مُجْديةٍ للتَّعليمِ ولدَحْضِ الأَخْطاء. يُمْكنُ أنْ تُستعْمَلَ لإِرشادِ الكنيسةِ إلَى الوَحدَةِ وتَوجيهِ حياةِ النَّاسِ وتَعليمِهم كيفَ يكونونَ قدِّيسينَ. أُعطِيَتْ لكم بُغْيةَ تَفْسير ٍ[1] أَفْضَلَ لِلْوَحِيِ[2] الْمُعطى لَكم. فهي ينبوعٌ لا يَنْضبُ من النِّعمِ الْمُدْهشةِ لكم جَميعًا لتجدُّدِكم (30/7/1999).
أُؤمنُ أَنَّ هناكَ وحيًا واحدًا ولَم أَقُلْ أبدًا العَكس، ولنْ تَجِدوا هذا فِي كتاباتِي. لا أَتوقَّعُ من قُرَّاء "الْحياة الْحقيقيَّة فِي الله" أنْ يعطوا الرَّسائلَ أهمِّيةً أكثرَ منَ الكتابِ الْمُقدَّس، وأنا متأكِّدةٌ بأنّه لا يوجدُ أيُّ شيءٍ فِي كتبِ " الْحياة الْحقيقيَّة فِي الله" يَحْمِل كلَّ الَّذين يَسْمعُوننِي أو يَقْرأوننِي على التَّفكيرِ بطريقةٍ أُخْرى. بالْحقيقةِ، فِي شَهادتِي، أَذكُرُ كلَّ الوَقتِ، مقاطعَ عديدةً من الكُتُبِ الْمقدّسة، وحتَّى، بعضَ الأَحيانِ، أكثرَ مِن الرَّسائلِ نفسِها. فِي الرَّسائلِ، هناك إِصْرارٌ واضحٌ ومُتَواصلٌ على التَّركيزِ على الكتابِ الْمقدَّسِ وعلى العَيشِ بِحقيقَتِه. الكتاباتُ هي تفعيلٌ ومذكِّرٌ بالْوَحْيِ الوحيدِ والأَوحدِ في الْمسيحِ، الواردِ فِي الكتابِ المقدَّس وفِي التَّقليدِ، الْمنقولِ بواسطةِ الكنيسةِ؛ فهي ليسَتْ سوى نداءٍ لِهذا الْوَحْيِ. بالواقع، إِنَّ هذه الكتاباتِ لَم تَدفَعْ أبدًا القرَّاءَ إلى وَضعِها فوقَ الكتابِ الْمُقدّس، لكنَّ الشَّهاداتِ تدلُّ على أنَّها ساعدَتْهم ليَفْهموا بطريقةٍ أَفضلَ كلِمةَ الله. مع ذلك، نَحنُ نعلمُ بأنَّ الله يسْتطيعُ أنْ يُذَكِّرَنا بكلمتِه الْمُبارَكة، عِنْدما يَعلمُ أَنّه ضَروريٌّ لِمنْفعةِ الكنيسةِ. نِعَمٌ من هذا النَّوعِ وهي بالفِعلِ نِعَم، تُنيرُ أو تُبيِّنُ حقيقةً معروفةً مُسبَقًا وتُعطي فَهْمًا أَفضلَ لَها. يُمْكنُ لأيِّ شَخْصٍ أَنْ يتساءلَ لِماذا دعا اللهُ شخْصًا مَحدودًا جدًّا وغيرَ جدير، لا مُبالٍ وجَاهلاً كليًّا فِي أُمورِ الكنيسةِ، لَم يَتُقْ أَبدًا إلَى اللهِ، لَيتلقّى "تذكيرًا بكلمتِه؟" أَلَيسَ الكَهَنَةُ وَاللاهوتيّونُ مَدْعُوِّين للعَمَلِ نَفْسه؟ نعَم، أَعتقِدُ أنّهم مَدْعوُّونَ، وأَنا، لَم أَقصدْ، بأيّةِ طريقةٍ، أَنْ أُنافِسَ الكهنةَ واللاهُوتيِّينَ الَّذينَ دَعاهم اللهُ لِيَقوموا بواجِبِهم؛ مع ذلك، أُؤمِنُ بأنَّ اللهَ قد دعانِي، على نَحْوٍ غيرِ متوقَّعٍ، بِعملٍ مباشَرٍ من قِبَله. عَلِمتُ حَديثًا بأنَّ مَجْمعَ الفاتيكانِ الثَّانِي قَدْ أَكَّد كَمْ هو مهمٌّ أنْ يُساهِمَ العِلْمانيّونَ فِي نَشْرِ الْخبرِ السَّار مِن خِلالِ الْمَواهِبِ الْمُتَعدِّدَةِ الَّتِي يَمْنحُها الله لِكَنِيسَتِهِ. فِي نُورِ الأمُم "Lumen Gentium"، يَعْرِضُ الْمَجمعُ بِوضوحٍ أنَّ العلمانيّين يُشاركون فِي الدَّورِ النبويِّ لِلمَسِيح, وأَنَّ الْمَسِيح "يُحَقِّقُ هذا الدَّور، لَيسَ فَقَط بِواسِطةِ السُّلطةِ الكَهَنوتِيَّةِ بَلْ أَيضًا بِوَاسِطَةِ العِلْمانيِّين الَّذينَ يَجعلُ منهم شهودًا ويَمدُّهم بِحسِّ الإيْمان "sensus Fidei" وبنعمةِ الكلِمةِ..." (نور الأمَم 35). فكلُّ عِلْمانِيٍّ، إذًا، مَدْعُوٌّ لدورٍ يقومُ به فِي هذه الْخدْمةِ، خدمةِ الإنْجيلِ، بِحَسبِ الْمَوهِبَةِ الْمُعطَاة لَه أو لَها مِن قِبَلِ اللهِ، ومِن خلالِ تلك الْمَواهبِ يُصبحُ هو أو هي توًّا الشَّاهدَ(ة) والآلَة الْحيَّةَ لرسالةِ الكنيسةِ نفْسِها، "وفقًا لِمقدارِ هِبةِ الْمسيحِ". فِي مُعْظمِ الأَعمالِ الكلاسيكيَّةِ لِلاَّهوتِ الكاثوليكيِّ الأَساسي، هناك تَمْييزٌ بين الوَحْي كَمَفْهومٍ للتأمّل، (ألوحي بالأحرف الكبيرة [3]) والوَحْي كَمَفْهومٍ اختباريٍّ ( وَحيٌ بالأحرُفِ الصَّغِيرة، وغالبًا في الجَمْع[4]). عندما أَتكلَّمُ عَنِ اخْتِبارِي الْمُتواضِع كـ"وَحْيٍ"، أَتَكَلَّمُ عَنِ الْوَحْيِ بِحَرفٍ صَغيرٍ مِنْ وِجْهة النَّظرِ الإختِباريّةِ.لا أتَكَلّمُ عَنِ اختِباري كَوَحْيٍ مِن وجهةِ نَظَرِ العقيدةِ، وكأنّي أُريدُ أنْ أُنافسَ الوَحْيَ بطريقةٍ ما. تَمامًا كَما فِي " إيحاءاتٍ خاصَّةٍ" أُخرى أو "إيحاءات نبويَّة"، فإنَّ عَمَلِي لا يُضيفُ شيئًا إلَى وَديعةِ الإيْمان. على العَكسِ، فإنَّ دعوةَ الله لِي تَهْدِفُ للدَّلالةِ على مِلْءِ الْحَقِّ لِوَديعةِ الإيْمان، للتَعمُّقِ بِه تَمامًا والعَيشِ بِحقيقتِه.
إنَّ دُسْتورَ كلِمةِ الله
"Dei Verbum"
للْمَجمعِ الفاتيكانِيِّ الثَّانِي أوضَحَ بأنّ الْوَحْيَ العامَّ هو تامٌّ وكاملٌ
"وليسَ مِنَ الْمُتوقَّعِ وَحْيٌّ جديدٌ قبلَ الظُّهورِ الْمَجيدِ للرَّبِّ يَسوع
الْمَسيحِ"
((Dei Verbum4.
من ناحيةٍ أُخْرى، يُوضحُ كلمةُ الله
إِنَّ التَّقليدَ الَّذي يأتِي مِن الرُّسلِ يَخْطُو متقدِّمًا فِي الكنيسةِ بِمساعدةِ الرّوح القدسِ. هناكَ نُموٌّ فِي تَبَصُّرِ الْحَقائقِ والكَلِماتِ الَّتِي تُنْقَلُ إِلَينا. وهذا يَتِمُّ بِطرقٍ متعدِّدةٍ. يأتِي عن طريقِ تَطلُّعِ وبَحْثِ الْمؤمنينَ الَّذينَ يتأمَّلونَ هذه الأشياءَ فِي قلوبِهم. (لوقا 2/19 و51) يأتِي مِنَ الشُّعورِ الْحَمِيميِّ بالْحَقائِقِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي يَخْتَبروُنَها. وَيَأتِي مِنْ تَبْشيرِ أُولئكَ الَّذين تلقَّوا، فضلاً عن حقِّهِم فِي الْخلافة الأسقفيّة، موهبة الْحقّ اليقينيَّة. وهكذا، مَعَ تَوالِي القرونِ، تتقدَّمُ الكنيسةُ دائمًا نَحْوَ كَمَال الْحقّ الإلَهيِّ، حتّى تَتمَّ فِي آخرِ الأَمْرِ كلماتُ الله فيها (كلمة الله Dei Verbum 8).
إِنَّ نيافةَ الكاردينال جوزف راتْزنْجر قد أَعْلنَ بِكثيرٍ من الصَراحة فِي ما خصَّ العِلاقةَ بين النُبوءةَ الْمَسيحيَّةِ والْوَحيِ، بأنَّ الفَرَضيَّةَ القَائلةَ بِأَنَّ النُبوءة يَجبُ أنْ تَنْتهِي بإتْمامِ الْوَحيِ بالْمسيحِ، تُخْفي مغالطات. لقَدْ عبّرَ عن موقِفِه فِي مقابلةٍ عن النُّبوءَةِ الْمَسيحِيَّةِ ومُجدَّدًا فِي تَعلِيقٍ، عِندَ كَشْفِ السرِّ الثالثِ لفاطيمة. أَسْمحُ لنَفْسِي أنْ أسْتشْهدَ بكلامِه مباشرةً من الْمُقابلةِ:
"أَلْوَحي، هو جَوْهريًّا الله الَّذي يَهَبُ نفسَه لَنا، الَّذي يَبْنِي التَّاريخَ معنا والَّذي يُعيدُ تَوحيدَنا جامعًا إيّانا كلَّنا معًا. هو كشفٌ لِلقاءٍ يَحْملُ أيضًا بُعدًا صريْحًا متأصِّلاً وبِنْيةً مَعْرِفيَّةً. كَما يَحْمِلُ أَيضًا مضامينَ لِمعرفةِ حقيقةِ الْوَحْي. إِذَا فُهِمَ بطريقةٍ صحيحةٍ، يكونُ الْوحْيُ قد بَلَغَ غايتَه مع الْمَسيح، لأَنَّه كما يعبِّرُ القدّيس يُوحنا الصَّليبِيُّ بكلماتِه الْجميلةِ – عندما يتكلّمُ الله شخصيًّا، لا شيءَ يُضَافُ إِلَى ذلك. لا شيءَ أَكْثرَ يُمكنُ أنْ يُقالَ عَنِ "الكلمة". هو بينَنا بطريقةٍ كاملةٍ، وليس للهِ، ما يُعطينا إيّاه ويقولُه لنا أَعْظمُ مِن نَفْسه، لَكنْ، هذا الكمال الكلِّيّ بعطاءِ الله نفسِه – يَعْنِي أنّه هو، "الكلمةُ"، حاضرٌ فِي الْجَسدِ- ويعنِي أَيضًا أَنَّه علينا أَنْ نسْتمرَّ فِي وُلُوج هذا السرِّ. يُعيدنا هذا إِلَى بِنْيةِ الرَّجاء. إِنَّ مَجيءَ الْمَسيحِ هو بِداية لِمعرفةٍ تتَعمّق باستمرار، وكشفٌ تدريجِيٍّ، لِما أُعْطيَ، فِي "الكلمة". هكذا، فإنَّ طريقةً جديدةً تُدشَّنُ لتقودَ البشرَ إِلَى الْحقيقةِ الكاملةِ، كَما يُعبِّر عنها يسوعُ فِي إنْجيل يوحنا، عندما يقولُ بأنّ الرّوحَ القدسَ سَيَحُلَّ عليكم. أَعتَبِرُ أَنَّ الكرستولوجيا الرّوحيَّة"pneumatological Christology" لِخُطْبةَ يسوعَ الوداعيّة، مُهمّةٌ جدًّا لِموضوعِنا الرَّاهنِ حيثُ يفسِّرُ يسوعُ بأنَّ مَجيئَه بالْجسدِ كان فقط خُطْوَةً أُولَى. إِنَّ الْمَجيءَ الْحقيقيَّ سيَحْدثُ، عندما لا يعودُ الْمسيحُ مُرْتبطًا بِمكانٍ أو بِجسدٍ مَحدُودٍ مَحلِّيًّا، ولكنْ عندما يأتِي إِلينا جَميعًا فِي الرُّوح، كَالْمَسيحِ القَائِمِ، بِحَيثُ إِنَّ الدُّخولَ فِي الْحَقِيقَةِ يُمْكنُ أَيضًا أَنْ يَكْتَسِبَ عُمْقًا أَكثَر فَأَكثَر. يَبدُو لِي واضِحًا – إِذَا أخَذْنا بعينِ الإعتبارِ أَنَّ زمنَ الكنيسةِ، أيِ الزَّمنَ الَّذي يأتِي فيه الْمسيحُ إِلينا بالرّوح كم قدْ حُدِّدَ بِهذه الكريستولوجيَّة الروحيَّة - Pneumatological Christology- فإنَّ العُنصرَ النبويَّ، كعنصرِ رجاءٍ ونِداءٍ، لا يُمكنُ أنْ يُفْقَدَ طبيعيًّا أو يُسمَحَ بأنْ يَضمَحلّ (30 Giorni, January 1999).
بالطَّريقَةِ ذاتِها، لا أَدَّعِي أَبدًا، بأنَّ كِتاباتِي تَقتَربُ مِن مَنْزِلة أو سُلطة الكتابِ الْمقدّس. فالكتابُ الْمقدّسُ مُوحًى به ومَعصومٌ عن الْخطأ. أَعْتقدُ بتواضعٍ، أنّ الرَّبَّ لَمَسَنِي لأُرَافِقَه مِن خلالِ عملٍ مباشرٍ فِي نفْسي، فيُساعدُنِي عِنْدما أُدْعى للكتابةِ، لكنَّه ليسَ وَحْيًا بالْمَعْنى نفسِه كما هو فِي الكتابِ، والنَتيجةُ لَيسَتِ العِصمَةَ عَنِ الْخَطأ، وَلَكِنْ ذلك لا يَعْنِي أَيضًا أنّه يَجبُ أنْ تتضمَّنَ كِتاباتِي أَخطاءً عقائديةً، وإنِّي أُؤَكِّدُ بأنَّها خاليةٌ منها. يُذكّرُنا الأب ماري-أوجين، فِي كتابه "أَنا بنتُ الكنيسة"، كيفَ يَستطيعُ الله أَنْ يَتَأقْلَمَ مع النَّفْسِ: إنَّ عَمَلَ الله الْمُباشَر، الْرّاسخُ فِي الطَّبِيعَةِ الإِنْسانيَّةِ الّتِي يَسْتَخدمُها، يَتَكَيَّفُ بِشَكلٍ مُدْهشٍ مَع الْحياةِ النفْسيّةِ للنَّفْس. هذا التكيُّفُ من قِبلِ اللهِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرُ ظاهِرَةً مُهِمَّةً لِتداخُلاتِه. الله الَّذي يَقْبلُ أنْ يتكلَّمَ لُغةَ البشَر لِيعطيَنا نورَه، يصلُ به التَّنازُلُ إلى حدِّ تَكْيِيفِ نَفْسهِ مع أَمْزِجتِنا واحتياجاتِنا الْخاصّةِ فِي اخْتيارِ هذه العلاماتِ حتّى يضمنَ بأكثر تأكيد اللقاءَ بنا. إلى الإِيْمان الَّذي احتفظَ بِنَقاوتِه وبَسَاطته، سيتكلّمُ بلغةِ علاماتٍ خارجيةٍ متألِّقةٍ تَجعلُ الإيْمانَ يَنْبِضُ. وإلى الإِيمانِ الَّذي صيَّرَتْهُ العقلانيَّةُ حَذِرًا وانتقاديًّا، سَيَسْتَعْملُ لغةً أكثر عقلانيَّة [5].قالَ الكاردِينَال رَاتزنْجر: "أَنْ يكونَ أَحدُنا قادرًا على جَعْلِ نفسِه ككلمةٍ وصورةٍ للاتِّصالِ الدَّاخِليِّ مَع الله، حتَّى فِي حالةِ التصوُّفِ الْحقيقيِّ، فذلك يَعْتَمِدُ دائمًا على إِمْكانيّاتِ النَّفس البَشَريَّةِ ومَحْدودِيَّتِها." هكذا، أَنا أَخْتبِرُ كَلِمةَ الله بدونِ جُهْدٍ، وبِتَعبيرٍ آخَر، بدون أيِّ إِرْغامٍ مِنْ قِبَلِي، فهي فقط تأتِي. أتَلقَّى هذه الاتِّصالاتِ (كلِماتٍ داخليَّةً) بِشَكْلينِ. أرجو الإشارةَ هنا بأنَّنِي لا أَعتزِمُ، بأيّة طريقَة، أَن أقولَ بأنَّنِي أعْرفُ تَمامًا كيف أُعبِّرُ عَن هذه الظَّاهرةِ وكيف أنَّ اللهَ يستطيعُ أنْ يفعَلَ مثل هذه الأَشياءِ، لكنَّ هذا التَّفسيرَ أَدْناه هو أَفضلُ ما أَستطيعُ القِيامَ بهِ: أ- مِن خلالِ تَدخّلِ الكلِماتِ الدّاخليّة، أَي التَّعابير "LOCUTION". ألكلماتُ الَّتِي أُدْرِكُها هي حقيقيَّةٌ، وأَكثَرُ وضوحًا مِمَّا لَو كنتُ أسْمَعُها بأُذنَيَّ. إنَّ كلِمَةً واحِدَةً يُمْكِنُ أنْ تَحتَوِيَ وَحْدها عالَمًا مِنَ الْمَعانِي، حتّى أنَّ الفَهمَ وَحدَه يَعجزُ أنْ يُعبِّرَ عنه بِسُرْعة فِي لُغةِ البَشرِ. أيّةُ كَلِمةٍ إِلَهيةٍ أو إرشاد مُعطى لِتَعْلِيمِي، لنْ يكونَ على مثالِ طريقةِ التَّعليِم فِي الْمدرسةِ، ذلك، ربَما، نظرًا لِضيقِ الوَقتِ، لا يُمكنُ تَفسيرُه بِجُملَتِه دفعةً واحدَة، أو قد يُنسى بِسَببِ الضُّعفِ البَشري، أو حتّى لا يُفهم فهمًا وافيًا. لكنَّ الإرشادَ الإلَهِي أو الكلمةَ الْمُعطاةَ، سَتُعْطى فِي مثلِ هذه الفترةِ الزَّمنِيَّةِ وتُحْفَرُ فِي العَقْلِ بطريقةٍ سيكونُ من الصَّعْبِ نِسْيانُها. أَلنّورُ الَّذي تنشرُه واسعٌ جدًّا، تَمامًا كنورٍ ساطعٍ يَمتدُّ في كلِّ مكان، فيُعْطيكَ فورًا غِنًى فِي الْمعرفةِ أَكثَرَ من الكلِمةِ بِنفْسِها. أَلكلمةُ الْمُعْطاةُ هِيَ كنَهرٍ مُتَرامِي الأطرافِ يَنْقسِمُ إلَى جَداولَ أُخْرى تقودُكَ إلَى كلِّ مكانٍ وإلَى أماكِنَ مُخْتلفةٍ ولكنّها تتفرَّعُ دَائمًا من النَّهْرِ الواحدِ. أيُّ تعليمٍ عاديٍّ فِي مدرسةٍ لَكانَ أَخذَ معي أَشْهرًا لأَتعلًَّمَه. بينَما أَخْتَبِرُ الكلماتِ بقوّةٍ فائقَة، أكونُ مُدركةً أيضًا أنَّ الصِّيغةَ الْمكتوبةَ والطَّريقةَ الَّتِي يَجبُ أنْ أُعبِّرَ فيها بالكلماتِ تَعْتَمِدُ دائمًا على قُدُراتِي الْمَحْدودةِ فِي اللُّغةِ والتَّعبيرِ. ب- أَلطريقةُ الثَّانيةُ الَّتِي أَتلَقّى بِها كلماتِ الله هي من خلالِ نورٍ منَ الفَهْمِ فِي ذهنِي، دون أيِّ تعبيرٍ كلامِيّ. وكأنَّ الله ينقُلُ فِكْرَه إلَى فِكْري. أَعلمُ حالاً ما يريدُه اللهُ أو يرغبُ فِي قَوْلِه. حينئذٍ، يتوجَّبُ عليّ أنْ أُدوِّنَ هذه "الرِّسالةَ غيرَ الْمعبَّرِ عنها"، بِقَدْرِ ما أَستطيعُ، باختيارِ كلماتِي الْخاصَّة.
لَقَدْ أُخبرتُ مؤخَّرًا هنا فِي روما بأَنَّ القدّيسةَ بريِجيت السُّويديةَ كانَ لَها طُرقٌ مُشابِهةٌ لتَدْوينِ رسائلها.
لِماذا اختارَ الرَّبُّ هذه الطَّريقةَ الْخاصَّة لِكتابةِ الرَّسائِل حتّى أَنَّه يُمْسكُ بِيَدي؟ بالْحَقِيقَةِ لا أَعلمُ. عندما سألتُه عَنِ السَّببِ، قال لِي ببَساطة: "لأننِي أُحبُّ أنْ يَكونَ بَهذه الطَّريقةِ". فلا أَعْلَمُ كيف يَحدُثُ ذلك. غير أنَّنِي أَودُّ أَنْ أُشيرَ إلَى أنَّ الّلاهوتيِّينَ الَّذين هُم أَيضًا خبراءُ فِي دراسةِ الْخطوطِ والَّذينَ حقَّقوا فِي الكتاباتِ، دَعَوها كتابةً "هِيريَّةً"، ورأوا عدّةَ فروقاتٍ أساسيَّةٍ بين طَريقتِي فِي الكتابةِ وبينَ الكتابةِ الْمسَمَّاةِ آليّةً. وقد عَلِمْتُ مؤخرًا، بأنَّ متصوِّفينَ مشهورينَ، كَتِريز الأَفيليةِ، إِختَبَرَتِ الإنْخطافَ فِي جسدِها أو بعضَ الأحيانِ فِي جزءٍ من جَسَدِها. أَعْتقدُ أنَّ هذا هو شكلٌ ملطَّفٌ منَ الإنْخطافِ فِي يَدي، وأَثِقُ أَنَّ الرَّبَّ لَه غاياتُه فِي ذلك.
السؤال 2: علاقتِي كَمَسيحيَّةٍ أُرثوذكسيَّة بالكنِيسةِ الكاثوليكيَّةِ الرومانيَّة
أَنتِ تَنْتَمينَ إلَى
الكَنِيسَةِ الأُرثوذكسيَّةِ وتَحثِّينَ دائمًا كهنةَ هذا الإيْمانِ وأَساقفتَهُ
على الإعْترافِ بالْبابا وعلى إقامةِ السّلامِ مع الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ. لذلك،
ولِسوءِ الْحَظِّ، أنتِ غيرُ مُرَحَّبٍ بِكِ فِي بَعضِ البلدان الَّتِي تُشاطِرُكِ
نَفْسَ طائفتكِ الدينِيَّة. لِماذا تَتَبنَّينَ هذه المهمَّة؟ ما هو رأيُكِ بأسْقفِ
روما وكيفَ تتوقَّعينَ مُستقبَلَ الوَحْدةِ الْمسيحيَّةِ؟ مع ذلك، يشعر أَحدُنا،
بعضَ الأحيان، وهو يقرأُ أَعْمالَكِ، بأنّك تَقِفينَ فوق الكَنيسَتَين دونَ
الإلتزامِ بأيٍّ مِنهُما. مثلاً على ذلك، يَبْدو أنَّكِ تتقدَّمينَ إلَى
الْمُناولةِ فِي كِلا الكَنيسَتَين: الكاثوليكيَّة والأرثوذكسيَّةِ، لَكِنْ
بالنِّسبةِ لِوَضْعِكِ الزَّوجِيِّ، فإنّكِ تَتبَعينَ عُرْفَ التَّدبيرِ
ألدَّوافعُ لِتَبَنِّي عَمَل الوَحدة هذا
لا أَعْتقِدُ أنَّنِي كنتُ أَمْلِكُ الشَّجاعةَ والْحَماسةَ لأُواجهَ الأَرثوذكسيين لأجْعَلَهم يَفْهمونَ الْمُصالَحةَ الَّتِي يرغَبُها الرَّبُّ منهم، لَو لَمْ أَخْتَبرْ حُضورَ الرَّبّ، ولا كنتُ اسْتطعْتُ أنْ أَتَحمَّلَ الْمُعارضاتِ والانتِقاداتِ والاضطِهاداتِ الَّتِي عانَيْتُها منهم. فِي بدايةِ تدخُّلِ اللهِ، كنتُ مُرْتبكةً كلِّيًا وخِفْتُ أنْ أَكونَ مَخْدوعَة؛ هذا الشَّكَّ كانَ حقًّا الصَّليبَ الأكبرَ، إِذْ أنَّنِي لَم أَسْمَعْ قطُّ فِي حياتِي مِن قَبْل أنَّ الله يَقْدِرُ، في الواقعِ، أَنْ يُعبِّرَ عن نَفْسِه إلَى النّاسِ فِي أيّامِنا هذهِ بالذَّاتِ، ولَم أَعْرِفْ أحدًا لأسألَه عن ذلك. لذا، حاوَلتُ أنْ أُبْعِدَه عنّي، لَكنَّ الإختبارَ لَمْ يَكُنْ لِيُفارِقَنِي، ولاحِقًا مَع الوَقتِ، بتَمَهُّلٍ، أَصبَحتُ متأكدةً وواثقةً بأنَّ كلَّ هذا لَمْ يكُنْ إلاّ عَمَلَ الله، لأنَّنِي بدأتُ أرى يدَ الله فيه. لِذلك توقَّفْتُ عنِ الْخَوفِ لأُواجِهَ الْمعارضةَ والانتِقادَ، ولِي ملءُ الثِّقةِ بربِّنا، لأنَّنِي أعلَم، بأنَّه حيثُ أُنقِصُ سَيُملِئُ دائمًا، بالرُّغمِ من عَدمِ كَفاءتِي، وأَنَّ أَعمالَهُ ستَكونُ نِهايتُها دائمًا مَجيدة.
ألتقرُّبُ منَ الكَهنَةِ والرُّهبانِ والأساقفةِ الأُرثوذكسيِّينَ لِيَعْترفوا بالبابا ويَتَصالَحوا بِصْدقٍ مع الكنيسةِ الرُّومانيةِ ليسَ بالْمهمّةِ السَّهْلةِ، كَما يقولُ ربُّنا فِي إحْدى الرَّسائل؛ فَهِيَ كَمنْ يُحاولُ أَنْ يَسبَحَ فِي الإتِّجاهِ الْمُعاكسِ لتيَّارٍ جارفٍ؛ لَكِنْ، بعدَ أَنْ رأيتُ كَم يُقاسِي ربُّنا مِن انْقِسامِنا، لَمْ أستطِعْ أَنْ أَرْفُضَ طلبَ الرَّبِّ عندما سألَنِي أنْ أَحْملَ هذا الصَّليب؛ لذلك، قَبِلْتُ بِهذه الْمهمَّةِ، إنّما ليسَ بدونِ اجتيازِ (وما زِلتُ أجتازُ) نيرانٍ كثيرةٍ. لقَدْ سَأَلْتَ: "لِماذا تَتَبنَّين هذه الْمُهمّةَ؟" جوابِي هو, لأنَّنِي دُعِيتُ من قِبَلِ الله، آمَنْتُ وأَجَبْتُه؛ لِذَلكَ، أُريدُ أنْ أَعْملَ مَشيئةَ الله. كلماتُ الْمَسيحِ الأولَى كانَتْ: "أَيُّ بَيتٍ هو أكثرُ أَهَميَّةً، بيتُكِ أم بيتِي؟" أَجبتُه: "بيتُكَ، يا ربّ". قالَ: "أَحيِي بَيتِي، زَيِّنِي بَيتِي وَوَحِّدِيه". بعضُ الكهنةِ الأَرثوذكسيِّين اليونانيِّين يَرْفضونَِنِي كلِّيًّا، أَولاًّ لأنّهم لا يصدِّقونَنِي [6]، ثانيًا لأنَّنِي إمرأةٌ، وثالثًا لأنَّ على الْمرأةِ ألاَّ تتكلَّم. بعضُ الرّهبانِ مُشكّكونَ فِيَّ، يقولون بأنّنِي قدْ أَكونُ حِصانَ طَرْوادة أرسلنِي البابا وَدَفَعَ لِي، أو حتّى أحد الْمتَّحدين بكنيسةِ روما[7]. كثيرونَ لا يريدونَ أنْ يَسْمعوا عَن الْمُصالَحةِ أو عنِ الْمَسْكونيّةِ. يعتبرونَ هَرْطقةً أنْ أُصلّي مع الكاثوليك الرّومان. فَهُنا حيثُ يَرَوننِي وكأنّي أقفُ خارجَ الكنيستينِ دون الإلتزامِ بأيٍّ مِنْهما. أنا مُلْتَزمةٌ كلِّيًا وتَمامًا بكنيستِي، لكنَّ الأمرَ ليس هرطقةً ولا إِثْمًا إذا عِشتُ الْمسكونيّة وصَلَّيتُ مع مسيحيِّينَ آخرينَ لأُعزّز الوَحدةَ. إِنَّ مفتاحَ الوَحدةِ، رغمَ ذلك، حسب ربِّنا فِي الكتاباتِ، هو التَّواضُعُ والْحُبُّ. كثيرونَ من أبناءِ الكنائسِ لا يَمْلكونَ هذا الْمفتاحَ بعدُ. كثيرونُ من العِلْمانيينَ اليونانيينَ الأُرثوذكسيِّينَ وأَيضًا الكَاهِنُ البسيطُ قرب الزاوية، صعودًا إلَى الراهبِ فِي الدير البعيدِ، يَنْعتونَ الكنيسةَ الكاثوليكيةَ الرّومانية، إِلَى اليومِ، بالْهرطوقيةِ والْخطيرةِ؛ لقدْ تعلّموا أنْ يصدِّقوا ذلك مُنذُ وِلادَتِهِم، وهذا خطأٌ. لكنَّنِي أؤمِنُ بأنّهم يَسْتطِيعونَ، رغم تصلُّبِهم، أنْ يتغيَّروا من خِلال تَوبة عميقة (metanoi) وَبقوّة الرّوحِ القدُسِ الَّذي سيَجْعَلُهم يَنحنونَ ومن خلالِ صلوات الْمُؤمنينَ. نَحن نصلّي فِي تَجمُّعاتنا إلَى الله ليُحدِثَ هذا التغيّيرَ فِي القَلْب.ومع ذلك، فَمُشْكِلةُ الانْحناءِ لا تَعْنيهم وَحْدَهم. على كلِّ واحدٍ أنْ يَنْحنِيَ فِي تواضعٍ وحُبٍّ. على شعبِ كلِّ كنيسةٍ أنْ يرغبوا فِي الْمَوتِ عن أنانيَّتهم وعن تصلُّبِهم وحينئذٍ، من خلالِ فعلِ التَّواضعِ والطَّاعةِ للحقِّ هذا، سيضيءُ حضورُ الْمسيحُ فيهم. أؤمِنُ أنَّه بِفِعْلِ التّواضعِ هذا، ستُمْحَى إخفاقاتُ الكنائسِ الغابرةُ والْحاضرةُ وستتحقَّقُ الوَحدةُ. لَم أَفْقِدْ أبدًا الأملَ فِي التَّقرُّبِ من الأُرثوذكسِ ولهذا السَّبب أَحْرصُ دائمًا على العَوْدةِ إِليهم لأقدِّمَ لَهم شَهادتِي. وشَهادتِي هي لتَذْكيرهِم بِكلماتِ الرَّبِّ: "ليكونوا بأجْمَعِهم واحدًا فينا، كَما أنّك فِيَّ، يا أبتِ، وأَنا فيكَ، فليكونوا هُم أيضًا فينا، لِيُؤْمنَ العالَمُ بأنّكَ أنتَ أَرْسلتنِي" (يو 17/21). بِهذِهِ الطَّريقَةِ، وبالرُّغْمِ مِنَ العَقَباتِ، فقَدْ تكوَّنَتْ بعضُ جَماعاتِ الصّلاةِ الْمسكونيَّةِ فِي أثينا ورُودس ضمَّتْ إِليها كهَنةً أُرثوذكسيينَ. تَبْدَأُ كلُّ جَماعاتِ الصّلاةِ هذه بصلاةِ الورديّةِ، ثُمّ بصلواتٍ أُخْرى. ومع ذلك، لَم يكُنْ نَصيبِي مُجرَّد الرَّفض مِنْ قِبلَ الأساقِفَةِ الأُرثوذكسيين (Orthodox hierarchy) للأَسبابِ الَّتِي ذَكَرْتُ آنفًا، فقدْ أَمدَّنِي ربُّنا أيضًا بِعددٍ وافرٍ من الأَصدقاءِ الكهنةِ اليونانيِّين الأَرثوذكسيِّينَ.
أسقفُ روما أَعطانِي ربُّنا رؤيًا داخليَّةً عَن ثلاثةِ قضبانِ حديدٍ تَرمزُ إلِى الأجساد الْمسيحيَّةِ الثلاثة الأساسيَّةِ: الكاثوليك، ألأورثوذكس والبروتستانت، يَدْعو فيها رؤوسَهم للإنْحناءِ، إلَى أنْ تلتقِي. ولَكِنْ لتَلْتَقِي، عليها أنْ تَنْحَنِي. يتكلّمُ هذا الْمقطعُ عنِ الْمَوقفِ المُتوجِّب لبلوغِ الوَحْدةِ الَّتِي يتوقُ إِليها الرَّبُّ منذُ صلاتِه إِلَى أَبيه "فليكونوا بأجْمعهم واحدًا." هذا المقطع من رسائل "الحياة الْحقيقيَّة في الله" لا يقصدُ التكلُّمَ عَنِ الْوَحدَةِ على مُستوًى وجوديٍّ (Ontological level)، مُشيرًا إلَى أنّه يَجِبُ ألاّ يكونَ فروقاتٌ بَيْنَها ما دامَتْ قَدْ حَفِظَتْ الحَقيقةَ الَّتِي سَلَّمَها الْمسيحُ لِكَنيستِهِ. ولَيسَ صَحيحًا أَنّنِي أدَّعِي بأنَّ هذه الدَّعوةَ إلَى التَّواضعِ بين الإخوةِ الْمسيحيِّينَ يَجِبُ أنْ تَتَضَمَّنَ مُقاربةً مسيحيَّةً كليَّةً للوَحدةِ وبأنَّ الوَحدةَ يَجِبُ أنْ تسلُكَ خطَّ الْمُساوَمَةِ على الْحَقِّ (كتاجرٍ يبيعُ ويشْتري) مؤدِّيةً إلِى تَسويةٍ ونِسبيَّةٍ فِي الْحَقِّ. على العكسِ، لَقَدْ تكلَّمتُ دائمًا عن أهَمِّيةِ بقائنا أمناء للحقِّ، وحتّى أكثَرَ من كلامِي، إِنَّ الرِّسالةَ ليستَ إلاّ دعوةً لِلْعيشِ بِحقيقةِ الإنْجيلِ فِي وَحْي الْمسيحِ الواحد، كَما وردَ أعلاه. إِنَّ الكتاباتِ تتضمّنُ تَحذيراتٍ عديدةٍ ضدَّ الْموقفِ الْمعاكسِ إلَى حدِّ وَصْف "المسكونيّة المزيَّفة" كَحصانِ طروادةَ، بتقديِمِ صورةً غيرِ حيَّةٍ للمسيح:
هَذَا الوَجْهُ الْمُلَطَّخ بِأَلْوَانٍ مُتَنَافِرَةٍ، هَذَا الوَجْهُ الَّذِي يُحَاوِلُ هَؤُلاءِ التُجَّارِ أَنْ يَجْعَلُوكُم تُكَرِّمُوْنَهُ وَتَتْبَعُونَهُ، لَيْسَ أَنَا هُوَ. إِنَّهُ اخْتِرَاعُ مَهَارَةٍ بَشَرِيَّةٍ فَاسِدَةٍ لِِيُحِطُّوا مِنْ مَفْهُومِ قَدَاسَتِي وَأُلُوهِيَّتِي، إِنَّهُ مَسْكُونِيَّة زَائِفَة، إِنَّهُ تَحَدٍّ لِكُلِّ مَا هُوَ مُقَدَّسٌ. إِنِّي أَتَأَلَّمُ بِسَبَبِ خَطَايَا هَؤُلاءِ التُجَّارِ (22/10/1990).
رسائلُ كثيرةٌ عنِ الوِحْدَةِ تُحافظُ على هذَين المظهرين الحيويَّينِ معًا للمَسكونيَّة: ألموقفُ الرُّوحيُّ الْمُتَضَمِّنُ التَّواضعَ والْحُبَّ تِجاهَ المسيحيِّينَ الآخرينَ، مع البحثِ غير القابل للمُساومَة عَن حقيقة الْمسيح. مثلٌ على ذلك، مقطع تتحدَّثُ فيه العذراءُ مرْيَمَ عن مكوِّناتِ الوَحْدةِ:
إِنَّ ملكوتَ اللهِ ليسَ مُجرَّدَ كلماتٍ على الشِّفاه، ملكوتُ الله هو حُبٌّ، سَلامٌ، وَحدةٌ وإِيْمانٌ فِي القلب. إنّه كنيسةُ الرَّبِّ متَّحِدة فِي واحدٍ داخلَ قلبكُم. إِنّ مفاتيحَ الوَحدةِ هي: أَلْحبُّ والتَّواضعُ. إنَّ يسوعَ لَم يُلِحَّ أَبدًا عليكم لتُقسِّموا أَنْفسَكم – هذا الإنقسامُ فِي كنيستِه لَم يَكنْ رغبتَه. (23/9/1991).
فِي مَوضِعٍ لاحِقٍ مِنَ الْمَقطعِ نَفْسِه، يَتَكلَّمُ يسوع عَنِ الْحَقِّ: "دافعِي دائمًا عن الْحقِّ حتّى الْمَوتِ. ستُهانين من وقتٍ لآخرَ، لكنْ سأسْمحُ بِما يَكْفِي لتُحْفَظَ نفسُك نقيّةً وطيِّعةً". (مكررة فِي 5/6/1992 ، 25/9/1997، 22/6/1998، الخ.) لَقَدْ كانَ لِي بعضُ اللّقاءاتِ مع كهنةٍ كاثوليك فِي الولاياتِ الْمتَّحدةِ، وهولندا وسويسرا، وبشكلٍ خاصٍّ مع مَنْ هُم مُتحرِّرون في آرائهم ويُناهضونَ بِشِدَّةٍ البابا. كانَ عليَّ أنْ أُدافعَ عن كُرْسيِّ بُطرسَ وأُفسِّرَ ذلك لَهم بِقَدْرِ ما أَسْتطيعُ مِنِ خلالِ رسائلَ قويَّةٍ صَدَرَتْ عن الْمسيح، تُبَيِّنَ لَهم كَمْ كانتْ عقولُهم مُشوَّشةً. فِي النّهايةِ أتَى كثيرٌ من هؤلاءِ الكهنةِ إلَيَّ لِيقولوا لِي كَم قدَّروا هذه التَّوضيحاتِ. ولَكِنْ وُجِدَ شخصٌ أو إثنانِ لَم يكونا موافقينَ، فقالا لِي بأنّنِي أَكثرَ كاثوليكيَّة مِنَ الكاثوليك... مع أنّه يوجدُ مقاطعُ كثيرة عنِ الوَحدةِ تَلْحَظُ الوَحدةَ بين الكنائسِ، هناك أَيضًا عددٌ لا بأسَ به مِنَ الْمقاطعِ كُتِبتْ خصّيصًا لِمجموعةٍ من الكهنةِ الكاثوليك الَّذين يتَمرَّدون على البابا لإعادتِهم إلَى الوَلاءِ له. هنا مثلٌ من بدايةِ الكتابات: أنا الرَّبُّ، لا أريدُ أيّ انقِسامٍ في كنيسَتي. لأجلي، ستتَّحِدون وتَحتَ اسمي سَتُحِبّونَني وتَتبَعونَني وتَشْهَدون لي. ستُحِبّون بَعْضُكُم بَعْضًا كما أنا أُحِبُّكُم؛ ستَتَّحِدون وتُصبِحون قطيعًا واحِدًا لِراعٍ واحِدٍ [8]. كما تَعلَمون جميعَكُم، لقد اخترْتُ بُطْرُسَ وأَعْطَيْتُهُ السُّلْطانَ. كما تَعلَمون جميعُكُم، لقد أعْطيْتُهُ مفاتيحَ ملكوتِ السماوات. لقد سأَلْتُ بُطْرُسَ أن يَرعى خِرافي ونِعاجي وأن يحْفَظَها. أنا هو مَن مَنَحَ هذا السُلْطانَ. ما كنتُ أريدُ أن تُغَيِّروا مشيئتي (19/3/1988).
رسالةٌ أُخْرى تتكلّمُ عن مُستقبلِ الوَحدةِ وتُبْرزُه حتّى بشكلٍ أَوضحَ:
سأَضَعُ حينئذ في يَدِ بطرسَ صولجانًا مِن حَديد يَحفَظ بِهِ نِعاجي، وإلى الّذين لا يَعلَمون وما زالوا يَتَساءلون: "لماذا يَجِب أن يكون لنا قائدٌ؟" أقولُ لَكُم هذا: هل رأيتُم أو سمِعْتُم قط بِقَطيعٍ دون راعٍ؟ أنا راعيكم الإلهي وقد اختَرْتُ بطرسَ ليَرْعى خِرافي حتّى عودتي. لقد حمّلتُهُ المسؤوليّة. لِماذا إذًا كلُّ هذه الخصومات؟ لِماذا كلُّ هذه المُجادلات غيرِ المجْديّة؟ وإلى كلِّ الَّذين ما زالوا يَجهلون كَلِماتِي، أقولُ إقرأوها في الكتابِ المُقَدَّس، فَتَجِدونَها في شهادة يوحنّا، تلميذي [9].
رسائل أُخْرى تتَكلَّمُ عنِ البابا كنائبِ الْمسيحِ أو كنائبِ الكنيسةِ. هذا أَحدُ الأمثالِ:
صَلُّوا للكنيسةِ جَمعاء، كونُوا بَخورَ كنيسَتِي وأَقصِدُ بِذلكَ أَنْ تُصَلُّوا
لِكلِّ الَّذينَ يُبَشِّرون بِكلمَتِي، مِنَ النَّائب الَّذي يُمَثِّلُنِي إلى
رُسُل وأَنبياءِ أَيَّامكم، مِنَ النُّفوسِ الكهنوتيَّةِ والرّهبانيَّةِ إلى
العلمانيِّين، لِكي يُؤهَّلوا لِيَفهَموا أَنَّكم، جَميعَ مَن ذكرتُ، جزءٌ من
جَسَدٍ واحِد، جَسَدي
لا تِحْتوي الكتاباتُ على إشارَةٍ تدلُّ كيف يَرْتِبِطُ دورُ بطرس بأدوارِ الكَرَاسيّ البطريركيَّةِ الْمتنوِّعةِ، ولذلك لا أَسْتطيعُ التَّحدثَ عن ذلك. لكنَّنِي مُدْركةٌ بأنَّ البابا نفسَه فِي رسالتِه التَّعميميَّة "Ut unum sint" يفتحُ نِقاشًا من هذا النّوعِ:
معَ ذلك، إِنّ الأَمرَ ذُو مَغْزىً ومشجِّعٌ، بأنَّ مسألةَ أولويَّةِ أُسْقفِ روما قَدْ أَصبَحَتِ الآنَ موضوعَ دَرسٍ، فإِمّا أَنْ يَجري الآنَ مجراها وإمّا ستكونُ فِي الْمستقبلِ القريبِ. وَكَذلك، فأنّه ذو مَغْزًى ومشجِّعٌ أنْ يَتمَّ تَدَاولُ هذه الْمسألةِ كَموضوعٍ أَساسيٍّ ليسَ فقط فِي الْحِواراتِ اللاّهوتيةِ الَّتِي تتَشاركُ فيها الكنيسةُ الكاثولكيةُ مع الكنائسِ الأُخرى والْجماعاتِ الكنسيّةِ، بل أيضًا بوجهٍ أَعمَّ، فِي الْحركةِ الْمسكونيّةِ ككلٍّ. أَقدَمَ الْمندوبونَ مؤخَّرًا بِتَوصيَةٍ إِلَى الاجتماعِ العالَميِّ الخامسِ للجنةِ الإِيْمانِ والنِّظامِ فِي مَجلس الكنائس العالَمي، الْمنعقد فِي سانتياغو دي كومبوستيلا، Santiago de Compostela، بأنَّه على اللَجنةِ "أنْ تبدأَ بدراسةٍ جديدةٍ لِمسألةِ الدّور الشّاملِ لوَحدةِ الْمسيحيِّين". بعد قرونٍ من الْخلافاتِ الْحادّةِ، أَخذَتِ الكنائسُ الأُخرى والْجماعاتُ الكنسيَّةُ تتناولُ أَكثرَ فأكثرَ، بنظرةٍ جديدةٍ، دورَ الوَحْدةِ هذا [11].
تُؤَكِّدُ الرِّسالةُ التَّعميميَّةُ نفسُها على ضرورةِ تَوحيدِ الشَّرق والغَرْب، مع إبقاءِ الفُرُوقات بين هَاتين الْطائفتَينِ بينما هُما فِي شراكة تامَّةٍ: بالنَّظرِ إِلَى كلّ ذلك، إِنَّ الكَنِيسَةَ الكاثوليكيَّةَ لا تَرغَبُ بغير الشراكةَ التّاَمةِ بين الشرقِ والغربِ. فَهي تَسْتوحِي ذلك من تَجربةِ الألِف الأَوَّلِ. فِي هذه الفترةِ، بالفِعْلِ، "لَم يَمْنَعْ نُموُّ اختباراتِ الحياةِ الكَنَسِيَّةِِ الْمُخْتَلِفةِ الْمسيحيّينَ، من خلالِ العِلاقاتِ الْمتبادَلةِ، مِنَ الإِسْتِمْرارِ فِي تَأْكيدِ شعورِهم بأنَّهم فِي بَيْتِهِم فِي أَيّةِ كنيسةٍ، لأنّ تسبيحَ الآبِ الواحدِ، بالْمسيحِ فِي الرُّوح القدسِ، يَرْتَفِعُ منهم جَميعًا، فِي تَنوُّعٍ مُدْهشٍ مَنَ الأَلسِنةِ والألْحانِ؛ كانوا كلُّهم يَتَجمَّعون معًا لِيَحْتَفِلوا بالإِفْخارستيا، قَلْب الْجماعةِ ومِثالِها، ليسَ فقط بالنسبةِ للرّوُحانيةِ والْحياةِ الأَخْلاقيَّةِ، بل أَيضًا لِبنْية الكنيسةِ، فِي تَنوِّعِ الواجبات والْخَدمات بقيادةِ الأُسْقفِ، خليفَةِ الرُّسلِ. أَلْمجامعُ الأُولَى هِيَ شَهادةٌ بليغةٌ لِهذه الوَحْدةِ المُسْتَمِرَّةِ فِي التنوّعِ." [12]مع أنَّ الكتاباتِ لا تتَكلّمُ عن قَضَايا بِنْيويَّةٍ تتعلّقُ بالشَّرقِ والغَرْبِ، فهُناكَ مراجعُ عديدةٌ تتناولُ أَهَميَّةَ الكنيسةِ الشَّرْقيّةِ. بذلك، فإنَّ التّأكيدِ غيرَ القابلِ للمُساومةِ لأَهميةِ دور بطرسَ تَزَامنَ، فِي رسائل لاحقَة، مع تبصّرٍ بأنَّ الْتجدُّد الرُّوحِي يُمكنُ أنْ تُوحِي به الكنيسةِ الشرقيَّةِ. حتّى إِنَّه يَتَّضحُ بذلك أكثر لِماذا يَحْتاجُ جسدُ الْمسيحِ أنْ يتنفَّسِ بكلا رئتَيه – أَي بالْحضورِ الغربّي والشَّرقّيِّ للكنيسةِ: "يا بيتَ الغربِ، لقدْ أَدرَكْتَ، مِن خلالِ نورِ روحِي، بأنًَّ الجسدَ يَحْتاجُ إِلَى رِئَتيهِ ليتنفَّسَ بِحُرِّيةٍ، وبأنَّ جَسَدي غيرُ كاملٍ برئةٍ واحدةٍ؛ صلِّ حتّى يَجْمعَكُم روحِي الْمُحيي معًا، لَكِن كَم عليَّ أنْ أتأَلَّم قَبْلَ ذلك! [13]"(27/11/1996)
رسالةٌ ثانِيَةٌ مُماثِلَةٌ: "صَلِّي كَيْ ينضمَّ بَيتُ الشَّرقِ وبيتُ الغَرْب معًا، كَما تتَّحِدُ اليَدَانِ فِي الصَّلاةِ؛ كما يتَّحدُ زَوجُ يدَين، مُتَشابِهتينِ، وكُلُّهُما جَمالٌ باتَّجاهِ السَّماءِ للصَّلاة. لِتَعْمَلْ وتُشاركْ أَيدي الجَسَدِ نَفْسِه معًا في قدراتِها ومَوارِدِها مع بَعضِها البَعض... لتَرْفعْنِي هاتَان اليدان معًا..." (15/6/1996)
رِسالةٌ أُخْرى تتكلَّمُ عن دورِ الشَّرقِ فِي جَمْعِ البيتينِ معًا مُجَدَّدًا، لِتَوحيدِ جَسَد الْمسيحِ: "أَصْغِي وَاكْتُبِي: سيُشْرِق الْمَجدُ مِن ضِفَّة الشّرق. لِذلك أَقولُ لِبَيتِ الغَرْبِ: إلتَفِتْ نَحْوَ الشّرقِ، لا تَبْكِ بِمَرارةٍ كُفرَ وخَرابَ بيتِكَ؛ لا تَستَسلِمْ للذُّعر، لأَنَّك غدًا ستأكلُ وتَشْربُ مع بُرْعُمِي في ضِفَّةِ الشّرق. إنَّ رُوحِي سَيَجْمعُكُما. ألَم تَسْمعْ بِأَنَّ الشَّرقَ والغَرْبَ سيكونان مَمْلكةً واحدةً؟ ألَم تَسْمَعْ أنَّه يُمكنُ إِرضائِي بتاريخٍ واحدٍ [14]؟سأمدُّ يَدِي وأَحْفِرُ على عصًا هذه الكلماتِ: أَلضفَّةُ الغربيّةُ، بيتُ بطرسَ وكلُّ الأَوفياءِ له؛ بَعْدَ ذلك، سأَحْفِرُ على عصًا ثانيةٍ: "ألَضفّةَ الشّرقيّة، بيتُ بولسَ، مع كلِّ الأوفياء لَه. وعندما سيقولُ أَعْضاءُ هذين البيتين: ياربِّ، قلْ لنا ماذا تَعْنِي الآنَ"، سأَقولُ لَهُم: "سآخذُ العصَا الَّتِي حَفَرْتُ عليها اسْمَ بولسَ مع كلِّ الأوفياءِ لَه وأضعُ عصا بطرسَ والأَوفياءَ لَه بِعصا واحِدَة. سأصْنعُ منَ الإثنينِ عصًا واحدةً وسأُمْسِكُ بِهما كواحدةٍ؛ سأربطُهما معًا باسْمِي الْجديدِ؛ وهذا سيكونُ الْجِسْرَ بين الغَربِ والشّرقِ. إِسْمِي القدُّوسُ سَيربِطُ الْجِسْرَ حتّى تَتَبادَلوا مُقْتَنَياتِكم عِبْرَ هذا الْجسر – لَنْ يُمارِسا مُنفَردينَ بعدَ الآن، بل معًا، وسأمْلِكُ على كِلَيهما.
ما
خَطَّطتُ له سَيَحْدثُ، وإذا قالَ لكِ البشرُ، يا ابنَتِي، بأنَّ هذه العلاماتِ
ليسَتْ منّي، فَقُولِي لَهم: "لا تَخَافوا – ألَم تَسْمَعوا بأنَّه الْمَقْدسُ
وحَجرُ العَثْرةِ أَيضًا؟ أَلصَّخْرةُ التِي تستطيعُ أَنْ تَهدِمَ البيتَينِ، غير
أنَّها تُقِيمُهما مُجدَّدًا كبَيتٍ واحدٍ" مُجددًا، هذه الرِّسالةُ لا تَنْتَقِصُ من دورِ بطرسَ وسُلْطَتِه، لكنَّها تُلْقِي الضوءَ على أهميَّةِ اتِّحاد أَجزاءِ جَسدِ الْمسيحِ الشّرقيّةِ والغربيّةِ حتّى يُؤْمنَ العالَمُ.
مُسْتقبلُ الوَحدةِ الْمَسيحِيَّة بِرُغمِ أنَّ الرِّسالةَ تُؤكِّدُ أَولويَّة بطرسَ، أُسْقفِ روما، والْمُعْتَرفَ بِها فِي التَّقليدِ الأُرثوذكسيِّ والكاثوليكيّ معًا، فَهي لا تتكلَّم عنِ المسائل القَضائيَّةِ. أَعْتَقِدُ بأنَّنِي لَمْ أُدْعَ لأتكلّمَ عن هذه الْمَسألةِ، فلذلك، أَمتَنعُ عن الكلامِ عنها بأيّةِ طريقَةٍ. إنَّ دَعْوتِي هي لتأكيدِ أهَمِّيَةِ البابا وللدِّفاعِ عن كرسيِّه ضدَّ الَّذين يَميلون إلَى عصيانِه والتَّمرُّد عليه، في الوَقتِ الَّذي يُلهمُ به إنشاء الوَحدَة وتقوِيَة بُنيانِها الدّاخليةِ. إنَّ مُقاربتِي الأَساسيَّةَ للوَحْدة هي مقاربةُ الوَحدةِ مِن خلال الرُّوحانيةِ. ألرّسالةُ هي دعوة للوَحدةِ منْ داخلِنا ومن خارِجِنا معًا – دعوةٌ لتقويةِ دِيناميكيّاتِ الوَحدَةِ الرّوحيةِ، داخلَ الكنائسِ الْخاصَّةِ وفِي ما بينها. لا أَعلمُ ماذا سَتُشابِهُ البُنْياتُ الْمستقبليَّةُ للكنيسةِ الْمُوحَّدةِ، كَما أَنَّ الرَّبَّ اخْتارَ ألاّ يتكلّم عن ذلك، ولَم يَمُنَّ عليّ بأيِّ نورٍ بِهذا الشأنِ. لكِنْ أَعْتقدُ أنَّ ذلك سيتمُّ عَن طريقِ الرّوحانيَّةِ؛ وأَعْتقدُ أنَّنِي قَدْ مُنِحتُ مَذَاقًا أَوَليًّا لنِعمةِ الوَحدةِ الْمستقبليَّةِ هذه، فِي تَجَمُّعاتٍ مَسْكونيةٍ مُتَعدِّدَة. مثلاً، فِي شهرِ آذار 2000 ، سَمَحَ الرَّبُّ لِجماعاتِنا، جَماعاتِ الصَّلاةِ، أَنْ تَلتقيَ فِي مكانِ مَسقطِ رأسِه، بيتَ لَحم. أَتَى 450 شخصًا من كلِّ مكانٍ، نَعَمْ، من أكثرَ من 55 بلدًا ومن 12 كنيسةً مُختلفةً أَتوا إلَى لِقاءِ صلاةٍ دُوَلِيٍّ من أجل السَّلام والوِحْدَةِ. إجْتَمَعْنا كعائلةٍ واحدةٍ. كانَ معنا 75 من رجالِ الدِّين أَتَوا أيضًا من 12 كنيسة مُختلفة وكذلك كهنةٌ آخرونَ من الأَرضِ الْمقدّسةِ انضّموا إلينا، عندما سَمِعوا بِهذا اللِّقاءِ للصّلاة. هذا الْحدَثُ الْمَسكونِيُّ نسّقَه يهودٌ وفلسطينيونَ كانوا قدْ تأثَّروا بكتاباتِ "الْحياة الْحقيقيَّة فِي الله". آمنوا بِفِداءِ الْمسيحِ وبِخُطَّته الْخلاصيّةِ فِي |